/الْفَائِدَةُ : (1/268 ) /
02/04/2026
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. [حُجِّيَّةُ المَتْنِ: الرُّكْنُ الأَسَاسُ وَالمِعْيَارُ الأَقْوَمُ لِقَبُولِ الأَثَرِ] إِنَّ العُمْدَةَ لَدَيْنَا(١) ، وَرُكْنَ أَرْكَانِ حُجِّيَّةِ الخَبَرِ ، وَالسُّلَّمَ الَّذِي يُرْتَقَى وَيُعْرَجُ بِهِ فِي مَلَكُوتِ المَعَانِي ـ سَوَاءٌ كَانَ ذٰلِكَ فِي عِلْمِ الفُرُوعِ أَمْ فِي عُلُومِ المَعَارِفِ الإِلٰهِيَّةِ (٢) وَجُمْلَةِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ ـ لَا يَكْمُنُ فِي (حُجِّيَّةِ الصُّدُورِ) وَمَتَانَةِ السَّنَدِ(٣) وَإِنْ بَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ(٤) ، وَلَا فِي (حُجِّيَّةِ الدَّلَالَةِ) وَإِنْ كَانَتْ صَرِيحَةً قَطْعِيَّةً ؛ فَإِنَّ هٰذِهِ الحُجَجَ لَا تُؤَمِّنُ إِلَّا حُدُودَ الأَلْفَاظِ وَرُسُومَهَا ، أَمَّا جَوْهَرُ المَعَانِي فَلَا(٤) ؛ وَإِنَّمَا (العُمْدَةُ) كُلُّ العُمْدَةِ تَكْمُنُ فِي مِعْيَارِيَّةِ المَتْنِ وَذَاتِيَّةِ المَضْمُونِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِـ (حُجِّيَّةِ الْمَتْنِ) حُجِّيَّةَ الدَّلَالَةِ ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ : عَيْنُ النِّظَامِ المَعْلُومَاتِيِّ المُودَعِ فِي جَوْهَرِ الخَبَرِ ؛ حَيْثُ يَعْكِفُ الفَقِيهُ ـ أَوِ البَاحِثُ ـ عَلَى مَضْمُونِ ذٰلِكَ المَتْنِ ، بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّنَدِ وَثَبَاتِ الصُّدُورِ أَوْ مَسَالِكِ الدَّلَالَةِ وَجِهَتِهَا ، أَوْ حَتَّى طَبِيعَةِ الكِتَابِ الَّذِي حَوَاهُ ؛ فَيَعْرِضُهُ عَلَى (مُحْكَمَاتِ الكِتَابِ الكَرِيمِ) ، وَ(مُحْكَمَاتِ السُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ) ، وَ(بَدِيهِيَّاتِ العَقْلِ) ، وَ(مُسَلَّمَاتِ الوِجْدَانِ) الَّتِي لَا يَمْتَرِي فِيهَا بَشَرٌ ، ثُمَّ يَزِنُهُ بِمِعْيَارِ المَنْظُومَةِ الكُلِّيَّةِ لِقَوَاعِدِ الدِّينِ وَمُعَادَلَاتِ الشَّرِيعَةِ ؛ فَإِذَا أَوْرَثَهُ ذٰلِكَ العَرْضُ قَطْعاً وَيَقِيناً بِمُطَابَقَةِ هٰذَا المَضْمُونِ لِتِلْكَ المُحْكَمَاتِ ، غَدَتْ حُجِّيَّةُ ذٰلِكَ المَتْنِ (حُجِّيَّةً وَحْيَانِيَّةً ذَاتِيَّةً) . وَهٰذَا هُوَ أَعْظَمُ مِيزَانٍ وَأَدَقُّ ضَابِطَةٍ قُرِّرَتْ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ لِـ (حُجِّيَّةِ الخَبَرِ). ثُمَّ إِنَّ صِحَّةَ المَتْنِ وَحُجِّيَّةَ المَضْمُونِ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِ الرُّوَاةِ بِمَا هُمْ رُوَاةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنُوطَةٌ بِالفُقَهَاءِ المُتَضَلِّعِينَ فِي فِقْهِ الفُرُوعِ ، وَأُصُولِ الاعْتِقَادِ ، وَالمَعَارِفِ الإِلٰهِيَّةِ، وَعُلُومِ الأَخْلَاقِ وَالآدَابِ(6) ، وَمَنْظُومَةِ النِّظَامِ الرُّوحِيِّ وَالسُّلُوكِيِّ لِلدِّينِ ، فَضْلًا عَنْ عُلُومِ التَّفْسِيرِ وَالسِّيَرِ وَغَيْرِهَا . بِخِلَافِ (صِحَّةِ السَّنَدِ) ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهَا مُتَاحَةٌ لِعَامَّةِ النَّاسِ ، إِذْ تَدُورُ مَدَارَ (الضَّبْطِ وَالحَافِظَةِ) كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ . أَمَّا حُجِّيَّةُ الْمَتْنِ وَالْمَضْمُونِ فَتَفْتَقِرُ إِلَى إِحْرَازِ (الْمُطَابَقَةِ) بَيْنَ الْمَتْنِ وَالْمَضْمُونِ وَأُصُولِ الشَّرْعِ وَالدِّينِ وَقَوَاعِدِهِمَا الْكُلِّيَّةِ ، وَهٰذِهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِهَا إِلَّا الفَقِيهُ الَّذِي ضَرَبَ فِي كُلِّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ بِسَهْمٍ ؛ فَصِحَّةُ المَتْنِ لَا تَدُورُ مَدَارَ (المَلَكَةِ الفِقْهِيَّةِ) الفَرْعِيَّةِ فَحَسْبُ ، بَلْ وَتَتَوَقَّفُ عَلَى التَّضَلُّعِ الشَّامِلِ فِي كَافَّةِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالمَعَارِفِ الدِّينِيَّةِ . إِذَنْ: (صِحَّةُ الْمَتْنِ) وَ(حُجِّيَّةُ الْمَضْمُونِ) تَسْتَوْجِبُ فَقَاهَةَ الْبَاحِثِ وَتَضَلُّعَهُ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَنْضَوِي تَحْتَهُ ذٰلِكَ الْمَتْنُ وَالْمَضْمُونُ ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَقِيهِ بَاعٌ رَاسِخٌ فِي الْفَنِّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ ذٰلِكَ الْمَتْنُ وَالْمَضْمُونُ ، فَأَنَّىٰ لَهُ أَنْ يَتَبَيَّنَ وَجْهَ صِحَّتِهِمَا أَوْ يَقِفَ عَلَىٰ مَلَاكِ حُجِّيَّتِهِمَا؟! وَهٰذَا بَحْثٌ (تَصَوُّرِيٌّ وَتَصْدِيقِيٌّ) مُسْتَقِلٌّ ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُجِّيَّةِ صُدُورِ الخَبَرِ أَوْ حَالِ سَنَدِهِ. كَمَا أَنَّ هٰذِهِ الْقَضِيَّةَ ـ أَعْنِي : التَّعَامُلَ مَعَ (حُجِّيَّةِ الْمَتْنِ وَالْمَضْمُونِ) وَعَرْضَهُ عَلَىٰ مُحْكَمَاتِ الشَّرْعِ وَالدِّينِ ـ لَيْسَتْ حِكْراً عَلَىٰ مَدْرَسَةِ الْإِمَامِيَّةِ ، بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ جَامِعَةٌ لِكَافَّةِ مَدَارِسِ وَمَذَاهِبِ الْمُسْلِمِينَ . وَهٰذَا هُوَ المَذْهَبُ المَنْهَجِيُّ ، وَالمَسْلَكُ العِلْمِيُّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ مَشْهُورِ طَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ ، وَأَعْلَامِ مَدْرَسَةِ الإِمَامِيَّةِ ، بَلْ وَمَذَاهِبِ الجُمْهُورِ (العَامَّةِ) ؛ كَمَا نَقَلَ ذٰلِكَ الشَّيْخُ الأَنْصَارِيُّ فِي (رَسَائِلِهِ) . وَمِنْ رَعِيلِ أُولٰئِكَ الفُقَهَاءِ وَالأَفْذَاذِ : الشَّيْخُ المُفِيدُ ، وَالسَّيِّدُ المُرْتَضَىٰ ، وَابْنُ البَرَّاجِ ، وَالحَلَبِيُّونَ ، وَالكَشِّيُّ ، وَابْنُ الغَضَائِرِيِّ (الاِبْنُ) ، وَالنَّجَاشِيُّ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ ، وَابْنُ زُهْرَةَ ، وَالمُحَقِّقُ الحِلِّيُّ ، بَلْ وَالشَّيْخُ الطُّوسِيُّ أَيْضاً ، وَإِنْ بَانَ فِي مَبْنَاهُ شَيْءٌ مِنَ التَّفَاوُتِ اليَسِيرِ . وَيُصْطَلَحُ عَلَىٰ هٰذَا المَسْلَكِ بِمَنْهَجِ (دِرَاسَةِ المَتْنِ وَمِحْوَرِيَّةِ المُحْكَمَاتِ) ؛ غَيْرَ أَنَّهُ بَاتَ مَنْهَجاً مَهْجُوراً وَمُغَيَّباً فِي العَصْرِ الرَّاهِنِ . وَقَدْ وَسَمَ الشَّيْخُ المُفِيدُ وَالمُحَقِّقُ الحِلِّيُّ بِـ (الحَشْوِيَّةِ وَالقِشْرِيَّةِ) كُلَّ مَنْ جَعَلَ السَّنَدَ وَالطَّرِيقَ هُمَا الرُّكْنُ الرَّكِينُ فِي حُجِّيَّةِ الخَبَرِ ، وَلَيْسَ ذٰلِكَ تَعْطِيلاً لِدَوْرِ السَّنَدِ ، بَلْ بَيَاناً لِأَنَّهُ لَيْسَ المَدَارَ الأَوْحَدَ ؛ إِذْ لَا يُؤَمِّنُ السَّنَدُ إِلَّا (لَقْلَقَةَ الأَلْفَاظِ) ، أَمَّا المَعَانِي وَالانْطِلَاقُ نَحْوَ العُمْقِ فَلَا يُؤَمِّنُهُمَا إِلَّا المَتْنُ بِتَوَسُّطِ أَلْفَاظِ الوَحْيِ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَىٰ (مُجَرَّدِ النَّقْلِ) مَنْهَجُ المُبْتَدِئِينَ ، أَمَّا طُمُوحُ البَاحِثِ عَنِ الحَقِيقَةِ فَلَا يَنْبَلِجُ إِلَّا بِـ (الفَهْمِ العَقْلِيِّ بِالنَّقْلِ) ، وَالعِلْمِ المَنْظُومِيِّ لَهُ ؛ وَذٰلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَبْرَ البُرْهَانِ وَالنُّورِ المُسْتَفَادِ مِنَ الإِشَارَاتِ الإِرْشَادِيَّةِ لِلمُقَدِّمَاتِ العِلْمِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ المَوْدُوعَةِ فِي مُتُونِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ الإِلٰهِيِّ الطَّاهِرَةِ البَاهِرَةِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) هٰذَا الْمَبْحَثُ يَتَبَنَّى رُؤْيَةَ (نَقْدِ الْمَتْنِ) وَتَقْدِيمَهَا عَلَىٰ (نَقْدِ السَّنَدِ) ، وَهِيَ مَدْرَسَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَمَعْرِفِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَرَىٰ أَنَّ جَوْهَرَ الْحَقِيقَةِ يَكْمُنُ فِي مَضْمُونِ النَّصِّ وَمُوَافَقَتِهِ لِأُصُولِ الْوَحْيِ والْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ ، لَا فِي مُجَرَّدِ طُرُقِ نَقْلِهِ . فهٰذَا النَّصُّ يَضَعُ (الْعَقْلَ وَالْفِطْرَةَ) وَ(أُصُولَ الْوَحْيِ) كَمَوَازِينَ لِقَبُولِ الْخَبَرِ . فَالْخَبَرُ الصَّادِقُ يَحْمِلُ فِي ذَاتِهِ دَلِيلَ صِدْقِهِ (نُورَهُ) ، بَيْنَمَا قَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ مُتَوَاتِراً سَنَداً لٰكِنَّهُ (لَقْلَقَةُ أَلْفَاظٍ) إِذَا لَمْ يَنْفُذِ الْقَارِئُ إِلَىٰ لُبِّ مَعْنَاهُ . إِذَنْ : هٰذَا الْمَبْحَثُ يُقَرِّرُ حَقِيقَةً أَنَّ قُوَّةَ الْحَدِيثِ تَكْمُنُ فِي مُحْتَوَاهُ النُّورِيِّ وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ حَقَائِقَ ، فَإِذَا وَافَقَ الْمَتْنُ أُصُولَ الْمَعْرِفَةِ وَالْوَحْيِ كَانَ هُوَ (الْعُمْدَةَ) ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ السَّنَدُ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ ؛ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ اللَّفْظِيَّ قَدْ يَضْمَنُ الصُّدُورَ لٰكِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْوُصُولَ إِلَىٰ كُنْهِ الْمَعْنَىٰ. (2) يَجْدَرُ الِالْتِفَاتُ : أَنَّ المَعَارِفَ وَالعَقَائِدَ الإِلٰهِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَفَاهِيمَ ذِهْنِيَّةٍ ، بَلْ هِيَ (حَقَائِقُ تَكْوِينِيَّةٌ) مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ أَكْوَانٍ وَعَوَالِمَ غَيْبِيَّةٍ صَاعِدَةٍ. (3)إِنَّ (ضَعْفَ الطَّرِيقِ) أَوْ اعْتِبَارَهُ لَا دَخَالَةَ لَهُمَا فِي تَحْصِيلِ (البُرْهَانِ) المُنْتَزَعِ مِنَ المَتْنِ وَالمَضْمُونِ ؛ إِذِ العِبْرَةُ بِذَاتِ الحَقِيقَةِ لَا بِوَاسِطَةِ النَّقْلِ. (4)إِنَّ (التَّوَاتُرَ السَّنَدِيَّ) لَا يَنْهَضُ بِحُجَّةٍ فِي مَبَاحِثِ العَقَائِدِ ؛ لِكَوْنِهِ يُورِثُ (يَقِيناً حِسِّيّاً) نَقْلِيّاً ، وَالمَطْلُوبُ فِي لُبَابِ المَعَارِفِ هُوَ تَحْصِيلُ (اليَقِينِ العَقْلِيِّ) البُرْهَانِيِّ ؛ وَفِي هٰذَا المَقَامِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ المُتَوَاتِرَةِ وَالضَّعِيفَةِ سَنَداً ؛ إِذِ العِبْرَةُ بِالبَيَانِ وَالبُرْهَانِ العَقْلِيِّ المُنْتَزَعِ مِنَ (المُتُونِ) ، فَهُوَ الضَّالَّةُ المَنْشُودَةُ فِي هٰذِهِ الأَبْحَاثِ. وَيُضَافُ إِلَيْهِ : أَنَّ الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ سَنَداً قَدْ يَكُونُ مَتْنُهُ (ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ) ، فَيَرْتَدَّ الحُكْمُ إِلَىٰ الظَّنِّ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُغْنِي شَيْئاً فِي تَأْسِيسِ أُصُولِ الاعْتِقَادِ . (فَتَفَطَّنْ!). ثُمَّ إِنَّهُ لَزَامٌ عَلَىٰ مَنْ لَا بَاعَ لَهُ فِي المَنَازِعِ العَقْلِيَّةِ أَنْ يَنْكَفَّ عَنْ خَوْضِ غِمَارِ هٰذَا البَابِ ، وَأَلَّا يَتَصَدَّىٰ لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ ، تَارِكاً المَيْدَانَ لِأَرْبَابِ التَّخَصُّصِ وَأَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. (5) يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ : أَنَّ (لَقْلَقَةَ المَعَانِي) وَدَغْدَغَةَ جَوَانِحِهَا ــ فَضْلًا عَنْ نَيْلِ حَقَائِقِهَا ــ تَبِينُ بَوْناً شَاسِعاً عَنْ لَقْلَقَةِ الأَلْسُنِ وَدَغْدَغَةِ الحُرُوفِ ؛ وَكَذٰلِكَ (حِفْظُ المَعَانِي) ــ فَضْلًا عَنْ رِعَايَةِ الحَقَائِقِ ــ أَمْرٌ يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ حِفْظِ الأَصْوَاتِ وَتُرَادُفِ النَّغَمَاتِ. (6) يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ : أَنَّ (الأَدَبَ) وَ(الخُلُقَ) وَجْهَانِ لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ غَايَةُ الأَمْرِ أَنَّ الخُلُقَ (هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ) بَاطِنَةٌ ، بَيْنَمَا الأَدَبُ (هَيْئَةٌ بَدَنِيَّةٌ) ظَاهِرَةٌ ، وَبَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ وَثِيقٌ ؛ فَالأَدَبُ الصَّالِحُ هُوَ التَّجَلِّي البَدَنِيُّ النَّاشِئُ عَنِ الخُلُقِ الصَّالِحِ ، وَالأَدَبُ الطَّالِحُ هُوَ الانْعِكَاسُ الجَارِحِيُّ لِلخُلُقِ الطَّالِحِ. إِذَنْ : الفَارِقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَهُمَا : أَنَّ (الأَخْلَاقَ) هِيَ المَلَكَاتُ وَالصِّفَاتُ الرَّاسِخَةُ فِي النَّفْسِ ، أَمَّا (الآدَابُ) فَهِيَ الهَيْئَاتُ البَارِزَةُ عَلَى السُّلُوكِ العَمَلِيِّ وَالأَفْعَالِ الجَارِحِيَّةِ ، وَمَا هِيَ إِلَّا فَيْضٌ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَأَعْرَاضٌ عارِضَةٌ عَلَى الجَوَارِحِ مُنْبَعِثَةٌ مِنْ مَكْمَنِ النَّفْسِ. وَبِالجُمْلَةِ : فَـ (الآدَابُ) أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ تَقَعُ تَحْتَ إِدْرَاكِ البَصَرِ ؛ كَآدَابِ المَائِدَةِ وَالمَعَايِشِ ، بِخِلَافِ (الأَخْلَاقِ) ؛ فَإِنَّهَا لَا تُبْصَرُ بِالعَيْنِ وَلَا تُمَسُّ بِاليَدِ . وَإِنَّ سُوءَ الأَدَبِ لَيَكْشِفُ عَنْ سُوءِ الخُلُقِ ، كَمَا أَنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُبِيحُ عَنْ (نَقْصٍ فِي المَعْرِفَةِ) عَلَى أَدْنَى التَّقَادِيرِ